ابن قيم الجوزية
75
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
وعجيب الصنعة ودقيق الخلقة ، يشهد بعلم الفاعل لها لامتناع صدور ذلك في العادة عن غير ذي علم . وثالثها : في المخلوقات من هو عالم ، والعلم صفة كمال ، فلو لم يكن سبحانه عالما لكان في مخلوقاته من هو أكمل منه . ورابعها : كل علم في المخلوق إنما استفادة من خالقه ، وواهب الكمال أحق به ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه . فصل وهو الحميد فكل حمد واقع * أو كان مفروضا مدى الأزمان ملأ الوجود جميعه ونظيره * من غير ما عد ولا حسبان هو أهله سبحانه وبحمده * كل المحامد وصف ذي الاحسان الشرح : قال الراغب ( الحمد للّه تعالى : الثناء عليه بالفضيلة وهو أخص من المدح وأعم من الشكر ، فإن المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره ، ومما يكون منه وفيه بالتسخير ، فقد يمدح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه ، كما يمدح ببذل ماله وسخائه وعمله ، والحمد يكون في الثاني دون الأول ، والشكر لا يقال إلا في مقابلة نعمة ، فكل شكر حمد ، وليس كل حمد شكرا ، وكل حمد مدح وليس كل مدح حمدا ويقال : فلان محمود إذا حمد ، ومحمد إذا كثرت خصاله المحمودة ، ومحمد إذا وجد محمودا ، وقوله عز وجل : إنه حميد مجيد ، يصح أن يكون في معنى المحمود وأن يكون في معنى الحامد ) . والتحقيق أن الحمد وإن كان أعم من الشكر متعلقا ، فإن الشكر أعم منه من جهة الآلة ، فإن الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري نعمة كان أو غيرها ، وأما الشكر فيكون بالقلب واليد واللسان ، ويكون على النعمة خاصة ، والحميد اسم من أسمائه الحسنى ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، ومعناه المستحق لجميع المحامد ما كان واقعا منها أو كان مقدر الوقوع ، فجميع أفراد الحمد المحققة